ابن قيم الجوزية

153

الروح

حتى تخترق السبع الطباق ، وتسجد للّه بين يدي العرش ، ثم ترد إلى جسده في أيسر زمان ، وكذلك روح الميت تصعد بها الملائكة حتى تجاوز السماوات السبع وتقف بين يدي اللّه ، فتجد له فيها ، ويقضي فيها قضاء ، ويريها الملك ما أعد اللّه لها في الجنة ، ثم تهبط فتشهد غسله وحمله ودفنه ، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب أن النفس يصعد بها حتى توقف بين يدي اللّه فيقول تعالى : « اكتبوا كتاب عبدي في عليين ثم أعيدوه إلى الأرض فيعاد إلى القبر وذلك في مقدار تجهيزه وتكفينه » ، فقد صرح به في حديث ابن عباس حيث قال : فيهبطون على قدر فراغه من غسله وأكفانه فيدخلون ذلك الروح بين جسد وأكفانه . وقد ذكر أبو عبد اللّه بن منده من حديث عيسى بن عبد الرحمن ، حدثنا ابن شهاب عامر بن سعد عن إسماعيل بن طلحة بن عبيد اللّه عن أبيه قال : أردت مالي بالغابة ، فأدركني الليل ، فأويت إلى قبر عبد اللّه بن عمر بن حزم ، فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها ، فجئت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : ذلك عبد اللّه ، ألم تعلم أن اللّه قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت ثم علقها وسط الجنة ، فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم ، فلا يزال كذلك حتى إذا طلع الفجر ردت أرواحهم إلى مكانها الذي كانت به » . ففي هذا الحديث بيان سرعة انتقال أرواحهم من العرش إلى الثرى ثم انتقالها من الثرى إلى مكانها ، ولهذا قال مالك وغيره من الأئمة : إن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت ، وما يراه الناس من أرواح الموتى ومجيئهم إليهم من المكان البعيد أمر يعلمه عامة الناس ولا يشكون فيه واللّه أعلم . وأما السلام على أهل القبور وخطابهم فلا يدل على أن أرواحهم ليست في الجنة وأنها على أفنية القبور ، فهذا سيد ولد آدم الذي روحه في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى صلى اللّه عليه وآله وسلم يسلم عليه عند قبره ويرد سلام المسلم عليه ، وقد وافق أبو عمر رحمه اللّه على أن أرواح الشهداء في الجنة ويسلم عليهم عند قبورهم كما يسلم على غيرهم ، كما علمنا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن نسلم عليهم ، وكما كان الصحابة يسلمون على شهداء أحد ، وقد ثبت أن أرواحهم في الجنة تسرح حيث شاءت كما تقدم ، ولا يضيق عقلك عن كون الروح في الملأ